القاضي عبد الجبار الهمذاني

39

المنية والأمل

عيينة قال : قال ابن نجيح : « ما رأيت أحدا أعلم من عمرو بن عبيد « 1 » ، وكان رأى مجاهدا وغيره » ، قال الجاحظ : « صلى عمروا أربعين عاما صلاة الفجر بوضوء المغرب ، وحج أربعين حجة ماشيا ، وبعيره موقوف على من أحصر ، وكان يحيى الليل بركعة واحدة ، ويرجع آية واحدة » . فرع : وقد رويت مناظرته لواصل في الفاسق ، يعرف اللّه تعالى ، وإنما خرجت المعرفة من قلبه عند قذفه ( للايمان ) ، فان قلت لم يزل يعرف اللّه ، فما حجتك ؟ وأنت لم تسمه منافقا قبل القذف وإن زعمت أن المعرفة خرجت من قلبه عند قذفه ، قلنا لك : فلم لا أدخلها في القلب بتركه القذف ، كما أخرجها بالقذف ؟ وقال له : « أليس الناس يعرفون اللّه بالأدلة ، ويجهلونه بدخول الشبهة ؟ فأي شبهة دخلت على القاذف ؟ » فرأى عمرو ، لزوم هذا الكلام ، فقال : « ليس بيني وبين الحق عداوة » ، فقبله وانصرف ويده في يد واصل . وكان يقول : « اللهم أغنني بالافتقار أليك » . وقيل قال : « يا أبا عثمان . . لم استحقّ مرتكب الكبائر اسم النفاق ؟ » قال : لقوله تعالى « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ

--> ( 1 ) عمرو والعمروية : العمروية ، هم أتباع عمرو بن عبيد بن ثاب مولى ، بنى تميم ، وكان جده من سبى كابل ، وما ظهرت البدع والضلالات إلا عن أبناء السبايا ، كما روى الخبر ، وقد شارك عمرو واصلا في بدعة القدر ، وفي ضلالة قولهما : بالمنزلة بين المنزلتين ، وفي درهما شهادة رجلين أحدهما من أصحاب الجمل ، والآخر من أصحاب على . وزاد عمرو على واصل في هذه البدعة ، فقال بفسق كلتا الفرقتين المتقاتلتين يوم الجمل . وذلك أن واصلا إنما ردّ شهادة رجلين أحدهما ، من أصحاب الجمل ، والآخر من أصحاب على رضى اللّه عنه ، وقبل شهادة رجلين ، كلاهما من أحد الفريقين ، وزعم عمرو أن شهادتهما مردودة ، وإن كانا من فريق واحد ، لأنه قال بفسق الفريقين جميعا . وقد افترقت القدرية - بعد واصل وعمرو - في / هذه المسألة . فقال النظام ، ومعمر ، والجاحظ ، في فريقى يوم الجمل بقول واصل . وقال حوشب وهاشم الأوقص : « نجت القادة وهلكت الأتباع » . وقال أهل السنة والجماعة ، بتصويب على وأتباعه يوم الجمل . وقالوا : إن الزبير رجع عن القتال يومئذ تائبا ، فلما بلغ وادى السباع ، قتله بها عمرو بن جرموز غرة ، وبشر على قاتله بالنار . وهم طلحة بالرجوع ، فرماه مروان بن الحكم - وكان مع أصحاب الجمل - بسهم فقتله . وعائشة ، رضى اللّه عنها ، قصدت الاصلاح بين الفريقين ، فغلبها بنو أزد ، وبنو ضبة على أمرها حتى كان من الأمر ما كان . ومن قال بتكفير الفريقين أو أحدهما ، فهو الكافر دونهم . هذا قول أهل السنة فيهم ، والحمد للّه على ذلك ( الفرق ص 72 - 73 ) .